فوزي آل سيف
84
أعلام من الأسرة النبوية
فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب و العمّ. فقالا: ويحك يا زيد، أ تختار العبوديّة على الحرية، و على أبيك و عمّك و أهل بيتك؟ قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا![223] فلم يرض أبوه بذلك وقال: اشهدوا أن زيدًا ليس ابني![224] فلما رأى النبي محمد ذلك، خرج به إلى الحِجْر، وقال: «يا من حضر اشهدوا أن زيدًا ابني أرثه ويرثني»[225]. ونُسب عند الناس إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله،[226] فكان يسمى زيد بن محمد مع أن الفاصلة بين عمريهما لم تكن كبيرة إذ قال بعض إن النبي كان يكبره بعشر سنين فقط!وهذا الأمر كان موجودًا في المجتمع القرشي، ويُعرف باسم (التبنّي). وهكذا كان الأمر إلى أن نزلت الآية المباركة بدعوة الناس لآبائهم: {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}..([227]) فالإنسان يُدعى لأبيه؛ وبالتالي لا يصحّ أن يُدعى وينسب لغير أبيه؛ لأنّه يترتّب على ذلك ميراث ونسب ومحرَمية، بينما في التبنّي لا يترتّب أيّ شيء على ذلك؛ فعاد إليه الاسم أنّه زيد بن حارثة. نشير هنا إلى مسألة اجتماعية، وهي أنّ بعض الناس ــ ولا سيما من النساء ــ يكتبون ــ أحياناً ــ رسائل يطلبون فيها الدعاء لابنهم أو ابنتهم بهذا التعبير: ادعوا إلى ابني (محمد بن خديجة)، أو ابنتي (فاطمة بنت خديجة)!!، ناسبين الأولاد للأم وهذا غير صحيح.. بل ينبغي أن ينسب الولد (ذكرا أو أنثى) لأبيه. ونحتمل أن هذا راجع لتأثر بعض الناس بالثقافة الخاطئة لبعض قنوات الشعوذة الفاسدة التي تتعاطى أمورًا كالتنجيم والسحر وما شابه ذلك؛ لأنّهم ــ عادة ــ يسألون عن اسم الأم!! بل يكون هذا أحيانا نوعًا من الاتهام في الشرف وصحة انتساب الشخص لأبيه!!عندما تأتي واحدة وتقول: (ادع لفاطمة بنت خديجة)، وكأنّها تقول ــ بمعنى آخر ــ: إنّ هذه البنت غير معلوم أنّ هذا هو أبوها فعلًا!! إذا كان الأب معروفًا، ووُلد الابن على فراش الزوجية فلا يصحّ أن نناديه في هذه الدنيا باسم أمه إلا أذا شككنا في نسبه ــ مثلًا ــ، كما يقولون: (زياد بن سمية)؛ لأنّنا لا نعرف مَن أبوه، لكنّ أمه معروفة!.
--> 223 ) العسقلاني ؛ ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 2 /496 224 ) في الفقه الإسلامي هذا النفي لا يترتّب عليه أيّ أثر من الناحية الشرعية، بل يبقى ابنه ما لم يرجع إعلان البراءة إلى نفي الولد بشكل صريح وإتهام زوجته بأنها خانته، وأنّها قد أنجبته من شخص أخر، ولذلك مسار أخر خاصّ له، أما القول لمجرّد الغضب منه فهذا لا يترتب عليه أيّ أثر. وهذا النحو من التبري مع أنه شائع، ويتصور بعض الآباء أنه سيحرم ولده من ميراثه بهذا الاعلان، كما قلنا لا يترتب عليه أثر شرعي. 225 ) كما نقل في أكثر المصادر حتى مصادر الإمامية مثل البحار ـ وغيره ـ ناقلا عن تفسير علي بن ابراهيم.. وهو محل للتأمل!! 226 ) ذكرت قصة زيد بن حارثة وتبني رسول الله له في اكثر التفاسير في شرح الآية المباركة (وما جعل أدعياءكم أبناءكم ) ومن ذلك ما نقله السيد الطباطبائي في تفسير الميزان 16/ 280 عن تفسير القمي، في قوله تعالى: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم﴾ حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان سبب ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما تزوج بخديجة بنت خويلد خرج إلى سوق عكاظ في تجارة ورأى زيدا يباع ورآه غلاما كيسا حصينا فاشتراه فلما نبىء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاه إلى الإسلام فأسلم وكان يدعى زيد مولى محمد. فلما بلغ حارثة بن شراحيل الكلبي خبر ولده زيد قدم مكة وكان رجلا جليلا فأتى أبا طالب فقال: يا أبا طالب إن ابني وقع عليه السبي وبلغني أنه صار إلى ابن أخيك تسأله إما أن يبيعه وإما أن يفاديه وإما أن يعتقه. فكلم أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال رسول الله: هو حر فليذهب حيث شاء فقام حارثة فأخذ بيد زيد فقال له: يا بني الحق بشرفك وحسبك، فقال زيد: لست أفارق رسول الله، فقال له أبوه: فتدع حسبك ونسبك وتكون عبدا لقريش؟ فقال زيد: لست أفارق رسول الله ما دمت حيا، فغضب أبوه فقال: يا معشر قريش اشهدوا أني قد برئت منه وليس هو ابني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اشهدوا أن زيدا ابني أرثه ويرثني. فكان زيد يدعى ابن محمد وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحبه وسماه زيد الحب. 227 ) سورة الأحزاب، الآية 5.